البداية / مقدمة الجيولوجيا التأريخية / التأريخ الفيزيائي للأرض / التأريخ الحياتي للأرض

 

مقياس الزمن الجيولوجي

(بقلم:  واثق غازي المطوري)

جامعة البصرة/ كلية العلوم/ علم الأرض
wathiqalmutury@yahoo.com 

لحفظ المحاضرة... انقر هنا


ما هو مقياس الزمن الجيولوجي؟

إن دارسي تاريخ الأرض كدارسي تاريخ الحضارات البشرية لابد لهم من إيجاد واسطة لتحديد زمن وقوع الأحداث الرئيسة والمهمة، وذلك لسهولة التفاهم فيما بينهم، فكان الزمن بالنسبة لمؤرخي الحضارات هو السنين والقرون، أما بالنسبة لدارسي تاريخ الأرض فأنهم يحتاجون إلى مقياس خاص بهم وذلك لطول الفترة الزمنية التي يدرسونها، وبذلك وضعوا مقياساً عرف بمقياس الزمن الجيولوجي (Geological Time Scale) مكون من وحدات كبيرة ووحدات اصغر منها، هذه الوحدات هي: الحقبة أو الأبد (Eon) والدهر (Era) والعصر (Period) والحين (Epoch)، وهذه الوحدات مرتبة من الأكبر إلى الأصغر.

إن مقياس الزمن الجيولوجي المبين في الجدول رقم (1) هو حصيلة دراسات عديدة قام بها العلماء خلال المائتين سنة الماضية، وهذا المقياس لم يصل إلى ما هو عليه الآن إلا بعد العديد من التغيرات، إذ أنه لم يكن سوى جدول بسيط يتألف من ثلاث تقسيمات، ثم ظهر لكل تقسم تقسيمات ثانوية، وهكذا حتى وصل إلى ما هو عليه. ولم يشهد فقط زيادة في عدد تقسيماته الثانوية بل شهد العديد من التبديلات والحذف لبعض التقسيمات وإضافة للبعض الآخر.

قياس عمر الصخور:

إن قياس عمر الصخور، وبالتالي معرفة تتابعها ووضع مقياس للزمن الجيولوجي، يتم أما بالعمر النسبي (Relative Dating) أو بالعمر الحقيقي (Absolute Dating)، وكلا الأسلوبين يعد تابعاً لعلم التقويم الجيولوجي (Geochronology) الخاص بتحديد الأعمار (Montgomery, 1997).

(1) طريقة العمر النسبي (Relative Dating Method): تعتمد على تحديد عمر الطبقات الصخرية بالنسبة لبعضها البعض دون معرفة العمر الحقيقي لها، وذلك بالاعتماد على قانون تتابع الطبقات(Principle of Superposition)، الذي وضعه جيمس هتن (James Hutton, 1726-1797)، والذي ينص على أنه في أي تتابع للصخور المتطبقة والتي لم تتعرض للتشويه بالتفلق أو الطي الشديد، فان الطبقة التي في الأسفل تكون أقدم من الطبقة التي تعلوها، كما يمكن الاستفادة من قانون التتابع الحيواني والنباتي ومن المتحجرات الدالة لتحديد العمر النسبي للطبقات الصخرية، خاصة عندما تكون معزولة عن بعضها، أي أن الطبقات التي تحتوي على المتحجرات القديمة تكون الأقدم وتلك التي تحتوي على المتحجرات الحديثة هي الأحدث.

(2) طريقة العمر الحقيقي (Absolute dating Method): تعتمد على تحديد العمر الحقيقي للطبقات بالسنين. في عام (1910) أقترح العالم فريدريك سودي (Frederick Soddy) أسم النظير (Isotope) والذي يعني (نفس المكان للتعبير) عن الذرات المختلفة في أوزانها الذرية لكنها متشابهة في أعدادها الذرية. لذلك يمكن تعريف النظائر بأنها ذرات نفس العنصر الكيميائي التي لها نفس العدد الذري (أي نفس عدد البروتونات) لكنها تختلف في العدد الكتلي (أي في عدد النيوترونات). إن مفهوم عدم استقرار النظير المشع يعني انحلال نواة الذرة تلقائياً لتكوين نواة ذرة عنصر آخر، لكن بحالة مستقرة وهذا ما يعبر عنه بالنشاط الإشعاعي (Radioactivity). وخلال هذه العملية تبعث من النواة أنواع مختلفة من الجسيمات على هيئة طاقة أو إشعاع، وبناءً على ذلك فأن النظير المشع الأصلي يدعى بالنظير الأم (Parent Nuclide) أما النظير الناتج من التحلل الإشعاعي فيدعى بالنظير البنت (Daughter Nuclide). إن عملية تحول النظير الأم إلى النظير البنت بواسطة التحلل الإشعاعي يتم بمعدل ثابت لا يتغير ولا يتأثر باختلاف الظروف الطبيعية والكيميائية المحيطة. معدل التحول هذا يدعى بثابت الانحلال(Decay Constant)، ولكل نظير مشع ثابت تحلل خاص به، على سبيل المثال ثابت انحلال اليورانيوم المشع (U238) هو (7620x106). أما زمن تحول نصف وزن النظير الأم إلى النظير البنت فيدعى بنصف العمر
(Half-Life)، فمثلاً نصف عمر نظير اليورانيوم يبلغ حوالي (4560) سنة (الياس، 1993). يمكن حساب عمر الصخور أو أي مادة تحتوي على نظير مشع من خلال معرفة وزن النظير الأم ووزن النظير البنت الموجود في عينة صخرية ما، فضلاً عن ثابت تحلل النظير، وبتطبيق المعادلة التالية يمكن حساب العمر (العمري ونادر،2001):

 
 

في الوقت الحالي يستخدم جهاز المطياف الكتلي (Mass Spectrometer) لحساب عمر الصخور، وهو جهاز يعتمد على المبدأ السابق في حساب العمر. إن ما ذُكر عن استخدام النظائر في حساب عمر الصخور يعد جزءاً من علم جيولوجيا النظائر (Isotope Geology). من أبرز النظائر المستخدمة لحساب العمر هي: نظير اليورانيوم (U)، نظير البوتاسيوم (K)، نظير الأركون (Ar)، نظير الروبيديوم (Rb)، نظير الكاربون (C)، .. الخ.

تقسيمات الزمن الجيولوجي:

يتضح من تقسيمات الزمن الجيولوجي مبينة في الجدول رقم (1) أن عمر الأرض والبالغ (4600) مليون سنة قد قسم إلى حقبتين أو أبدين هما حقبة الحياة الخفية تمتد من (544-4600) مليون سنة، وحقبة الحياة الظاهرة تمتد من (0-544) مليون سنة، وفيما يلي شرح مبسط لكل من هاتين الحقبتين (Hamblin and Christiansen, 1998):

أولاً: حقبة أو ابد الحياة الخفية (Cryptozoic Eon):

يعرف أيضاً بحقبة ما قبل الكامبري (Precambrian Eon)، وهو متمثل بمجموعة الصخور القديمة التي تشكل حجم واسع من القشرة القارية، ولا يوجد في القشرة المحيطية. أغلبها صخور نارية وصخور متحولة شديدة التشوه. لكي تنتج هذه الصخور، لا بد من وجود سمك كبير من الصخور الرسوبية والصخور البركانية المنثنية والمتفلقة والتي اخترقت الصخور الكرانيتية (Granitic Rocks). صخور هذه الحقبة تحتوي فقط على القليل من متحجرات الأشكال الحياتية الأولية أو البدائية جداً. بدون المتحجرات الشائعة فان مقارنة الطبقات الصخرية المنفردة من قارة إلى قارة يصبح صعب جداً، إذا لم يكن مستحيلاً. تقدم رئيسي في حل شفرة هذه الحقبة يمكن تحقيقه باستخدام طرائق النظائر المشعة (Radiometric Methods) لمعرفة عمر الصخور النارية والمتحولة، هذه الأعمار تزودنا بتقسيمات مهمة لحقبة الحياة الخفية وبالتالي معرفة عمر العديد من الأحداث الرئيسة التي وقعت فيه. تقسم حقبة الحياة الخفية إلى ثلاث تقسيمات ثانوية هي: الحقبة الخفية (Hadean Eon) وحقبة الاركين (Archean) وحقبة الحياة الأولية (Proterozoic)، والتي قسمت اعتماداً على عمرها المستخرج بالنظائر المشعة وليست بالمتحجرات.

ثانياً: حقبة أو ابد الحياة الظاهرة (Phanerozoic Eon):

صخور هذه الحقبة احدث عمراً من صخور حقبة الحياة الخفية، وهي اقل تعقيداً (تشويهاً) وتحتوي على العديد من المتحجرات التي مكنت الجيولوجيين من مضاهاتها عالمياً على نطاق واسع. المدة التي أعقبت نهاية حقبة الحياة الخفية تدعى بحقبة الحياة الظاهرة (Phanerozoic Eon) وهي مشتقة من أصل إغريقي يعني الحياة المرئية (Visible Life). هذه الحقبة تؤشر العصور التي كانت المتحجرات فيها شائعة جداً. مرور الزمن في هذه الحقبة سُجل (أُرخ) بواسطة المتحجرات التي توحي بالتطور المستمر لأشكال الحياة المتنوعة على الأرض. حقبة الحياة الظاهرة قسمت إلى ثلاث دهور (Eras) رئيسة، والتي قسمت بدورها إلى عدد من العصور (Periods).

جدول (1): تقسيمات مقياس الزمن الجيولوجي، يتضمن الحقب والدهور والعصور.

 مقياس الزمن الجيولوجي

(1) دهر الحياة القديمة (Paleozoic era): سمي هذا الدهر بعصر الأسماك (Age of fishes) وذلك لان صخور هذا الدهر تحتوي على عدد من متحجرات الكائنات البحرية، أبرزها الأسماك الأولية(Primitive fishes)، فضلاً عن متحجرات البرمائيات (Amphibians). هذا الدهر يقسم إلى ستة عصور اعتماداً على درجة تشوه الصخور في بريطانيا هذه العصور من الأقدم إلى الأحدث هي: العصر الكامبري
 
(Cambrian Period) والعصر الاوردوفيشي (Ordovician Period) والعصر السيلوري (Silurian Period) والعصر الديفوني(Devonian Period)  والعصر الكاربوني (Carboniferous Period) والعصر البرمي(Permian Period).

(2) دهر الحياة الوسيطة (Mesozoic Era): سمي هذا الدهر بعصر الزواحف (Age of Reptiles) وذلك لان صخور هذا الدهر تحتوي على عدد كبير من متحجرات الزواحف (Reptiles) فضلاً عن متحجرات اللافقريات (Invertebrates) الشائعة في هذه الصخور. صخور هذا الدهر قسمت إلى ثلاثة عصور هي من الأقدم إلى الأحدث: العصر الترياسي (Triassic Period) والعصر الجوراسي (Jurassic Period) والعصر الكريتاسي (Cretaceous Period).

(3) دهر الحياة الحديثة (Cenozoic Era): سمي هذا الدهر بعصر اللبائن (Age of Mammals) وذلك لأن صخور هذا الدهر تحتوي على عدد كبير من متحجرات اللبائن (Mammals) فضلاً عن متحجرات النباتات (Plants) واللافقريات (Invertebrates). صخور هذا الدهر قسمت إلى عصرين، هما من الأقدم إلى الأحدث: العصر التيرشري (Tertiary Period) والعصر الكواترنري (Quaternary Period). وهناك تقسيم آخر أحدث من التقسيم السابق، يقسم دهر الحياة الحديثة إلى ثلاث عصور هي من الأقدم إلى الأحدث: عصر الباليوجين
(Paleogene Period) وعصر النيوجين (Neogene Period) وعصر الانثروبوجين (Anthropogene Period).

 

المصادر:

أولاً: المصادر العربية:

1.   العمري، فاروق صنع الله، وعامر داؤد نادر، 2001: (مبادئ الجيولوجيا التاريخية). وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، جامعة الموصل، 628 صفحة.

2.         الياس، محمد الياس، 1993: (النظائر وأسس علم التقويم الجيولوجي). وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، جامعة الموصل، 199 صفحة.

ثانياً: المصادر الأجنبية:

1.      Hamblin, W.K., Christiansen E.H., and 1998: (Earth's Dynamic Systems). Prentice Hall, New Jersey, Eighth Edition, P.739.

2.      Montgomery, C.W., 1997: (Fundamentals of Geology). Wm. C. Brown Publishers, Third Edition, P. 411.